|
أذكركَ
إلى أبي
أذكرُكَ
حين أسيرُ وحيداً
بين الصخورِ الناتئةِ
منقوشاً عليها أسماءٌ غريبةٌ
تحت أشجارٍ تستحي أغصانُها
تتدلّى.. تحنو بظلّها على ترابٍ
وبقايا عظام
وتاريخٍ غفا.
أذكرُكَ
في يومٍ خريفيّ
كانت الغيومُ قريبةً من أفقِ الشارعِ الممتدّ
كأنها تلثمُه في الشفَةِ القانيةِ..
البعضُ بمعاطفَ رقيقةٍ
والآخرون يسرعون ليختفوا من مشهدٍ أبديّ
وأنا أحرقُ بعضاً من عمري
لألتقيكَ
ضاقَ بي المنفى
متى أرتحلُ!!
أقولُ أعبرُ ما تبقّى من وطنٍ
وأشعرُ أنّكَ في الضفّة الأخرى
ترتعشُ اشتياقاً .
أذكركَ
في القصَصِ التي تعرّشُ على شبّاك قلبي
في الطفلتين تعبثان بأوراقي
والكتبِ المغبرّة
أذكرُ عينيك الحالمتين
شاربيكَ الدقيقين
وجهكَ الأسمرَ الدافئ
كنتَ نحيلاً
وأقصرَ مني قليلاً
كنتُ أعانقُك وأفتخرُ
أنني ارتفعتُ فوقَ أحلامكَ
وتبتسمُ لأنّ الذي حملتَه بين يديكَ ذاتَ شتاءٍ
محموماً مختنقاً بسعالهِ
ورجوتَ الطبيبَ أن يسعفَ "حبّك الصغير"
صار يسبقُ الريحَ إلى مفاتنِ الصبحِ
ويرقصُ كالطيرِ امتدّ جناحاه
كأشرعة السفنِ المهاجرة.
قلتُ لك مساءَ اليوم الأخير
قبل غيابِ وجهكَ خلف غيومٍ ساكنة:
وجهُك النحيفُ المتعبُ يأمرني
أن أبتعدَ
لأن السماءَ الغبيّة
لم تحفظِ السرّ البسيطَ
العميق
الكبيرَ .. الجميلَ
يأمرُني أن أنسى وجَعَ الدمعةِ العالقةِ
في حنجرتي منذ خمسةَ عشرَ شهراً..
وتعرفُ أنني ما أزالُ أحتاجُكَ
كلّ يوم
لأنني لا أصدّقُ
أنكَ ستعودُ عند المساءِ ببعض التفّاح والدرّاق
وألعابٍ جديدة
وحكايا أصدقائك المسلية..
تقولُ حين أغمسُ اللقمة في الصحنِ معكَ
"يكفيك أن تكون طيباً وحكيماً
كأبيك".
أقرأ عينيكَ حين يضجّ بي الحبّ
هل أنت راضٍ
وهل تظن أنني صرتُ مثلَكَ
طيباً وحكيماً
حين اندفقتْ من جسمي رائحةُ اللوزِ
في أرض الهنودِ الحمرِ
وراءَ البحارِ الباردة.
2/2/2005
|