الإسلام بعيون مسيحية

 

مقدمة

 

     في الوقت الذي يتم فيه الصراع بين رموز العولمة والإرهاب، هناك تيار إنساني صادق يؤمن بالإنسان المنفتح على التنوع الثقافي والفكري والاجتماعي والديني، بروحانية ثابتة متسامحة، ضد الضياع الإنساني وفقدان الهوية، والعنصرية.. متجاوزاً الطقوس والطائفية والمحورية إلى ما بعد مفهوم القبيلة والكنيسة والأمة.

أعتقد أن هذا الكتاب مهم في موضوعه الآن أكثر من أي وقت مضى، لأن كل ما تظهره وسائل الإعلام وأغلبية الكتب والمجلات والصحف يدل، بشكل مباشر أو غير مباشر، على الصدام المحتدم، والدمويّ أحيانا،ً بين العالمين المسيحي والإسلامي. وليس من السهل اكتشاف جمال التعددية والتنوع في زمن الخوف من الآخر.. الخوف الذي دخل بيوتنا وعلاقاتنا. فالجار الذي بدأ يربّي لحيته منذ أشهر يمكن أن يكون قد انضم إلى جماعة إرهابية قد تفجر بيتي وعملي وأولادي، وكذلك قد يكون ذلك العالمُ المستشرقُ المهتمُّ بدينٍ آخر عميلاً لدول غربية ستحتل بلدي باسم الحرية.

     الوضع مخيف لأن الموت قد يأتيك وأنت تسير في أمان الله من قنبلة أو سيارة مفخخة، وقد يأتيك وأنت في ناطحة سحاب أو طائرة، وإذا لم تخرج من بيتك مخافة الموت فقد يأتيك على شكل هدية في علبة البريد. إذن أين الأمان.

     إن تحول مفهوم الدين في خدمة الإنسان إلى الإنسان في خدمة الدين قد غيّر القيم الفاضلة للمؤمن. وبسبب التقينات والتحولات التكنولوجية الهائلة، حدثت أزمة هوية.. إذ ليس هناك وقت لمراجعة الذات، وليس هناك حالياً أية أيديولوجية تملأ الفكر الإنساني غير مفهوم الاستهلاك والسوق، والغنى المادي الفارغ من الهدف الأبعد. وفي لحظات الضياع ليس أمام البشر سوى العودة إلى أديان تطلب منهم خدمتها من أجل غايتها الأفقية. وينعدم البعد الإلهي – الإنساني في العلاقة داخل الأديان نتيجة صراعها من أجل السيطرة على أكبر عدد ممكن من البشر وأغنى بقاع الأرض وأقوى أسلحة العالم!!

     هنا يبرز دور المسلم الأوروبي والمسيحي الشرقي كحاملي ثقافتين وجسري عبور لحضارتين مختلفتين!!

     لكن السؤال هل هناك وجود حقيقي وحضور ثابت لهؤلاء الغرباء في الأمكنة الغريبة!!

     كيف يمكن لأوروبا المسيحية أن تقود العالم وهي ذات بعد واحد؟!

     وكيف يمكن للعالم الإسلامي أن يؤسس إمبراطورية كونية ويقدم الإسلام كحل إذا كان كله فكرة واحدة وشعباً ذا لون ودين وثقافة واحدة؟!

     هناك الأمل البشري مقابل الرجاء الإلهي، وهناك التمنّي المؤدّب أمام السعي الخلاق، وهناك التفكير العميق المتأمل وعلى الطرف الآخر التحقيقُ المؤلمُ المكلف، وهناك المطالبة بالحقوق إزاء طرح الأهداف، وهناك الذات والخروج من الذات إلى الأخر..

هذه هي صراعات الإنسان الحقيقية وكل شيء آخر هو عَرَضي !!

 

*  *  *

 

     إن كل فلسفة تنطلق من أحد الثوابت التي تتبناها كأساس لها، مهما ادّعت الثورة المطلقة على الثوابت، وتبدأ كلُّ فلسفة بالانفتاح والإخلاص والشمولية، وتنتهي بالإنغلاق والخصوصية والتمييز، والماركسية في القرن العشرين مثال واضح تماماً..

     إن الانزلاق إلى الأصولية مشكلة هائلة تمرُّ بها كل الفلسفات والأيديولوجيات والأديان. وهذا التحول من الثورة المطلقة على المفاهيم القديمة إلى الانغلاق الأصولي والتعلق بالحرف المحدود، أقول هذا التحول قد أصاب جميع الأديان ويبدو أنه الآن في إحدى قممه.

     ففي العالم العربي نشأ إحباط شعبي تجاه كل الأيديولوجيات السياسية والاجتماعية الكبرى التي انتشرت نهاية القرن التاسع عشر ومعظم القرن العشرين، ومع استمرار البؤس والفقر والتخلف في عدد من الدول العربية والإسلامية، وتعثّر التنمية، وسيطرة أميركا، وإلى حد ما أوروبا المسيحية، على السلطة السياسية في العالم والفشل المخيب في الانتصار على الوجود الصهيوني في قلب البلاد الإسلامية.. كل ذلك دفع بالشباب العاطل عن العمل والعقول التي جربت الحلول السابقة وفشلت، إلى تبني الحل الإسلامي الجذري والعودة إلى بدايات الإسلام تشجعه فئات ذات أهداف أبعد من الدين، متأمّلة بتسلم السلطة والسيطرة على الآخرين.

     إن العودة إلى الجذور والنظر من جديد إلى روح الدين والإصغاء إلى كلمة الأجداد، وتبني قيمهم وفضائلهم والتمثل بأخلاقهم وبساطتهم، إن كل ذلك نبيل وحميد ومطلوب.. لكن تلك العودة سواء في المسيحية أو الإسلام، مرتبطة بمفكرين سياسيين يريدون استغلال الدين كأيديولوجية من أجل نموهم وسيطرتهم..

     يمتدّ الصراع الفكري والعسكري بين الشرق والغرب لقرون طويلة.. وفي القرون الأولى لظهور الإسلام تجاهل الغرب عن قصد النجاح الاجتماعي والسياسي للإمبراطورية الإسلامية النامية وكانت هناك "خطوط دامية" في الصراع بين الطرفين حتى أتي عصر الحملات الصليبية والصراع الدموي بين المسيحية التوسعيّة المسلحة والدولة الإسلامية الأضعف في ذلك الوقت، وبعد قرنين من فشل تلك الحملات، بدأت الإمبراطورية التركية العثمانية المسلحة بالامتداد والتوسع حتى وصلت حدود فيينا، لكن هزيمة الأتراك أمام أسوار فيينا عام 1683م، قَلبَ المفهوم من جديد، ودخل العالم الإسلامي في سبات عميق حتى عصر النهضة في أوائل القرن العشرين، وعصر الإحياء والبعث واليقظة الإسلامية في أواخر القرن الماضي، وتطور الموقف أيضاً في العالم الغربي حتى صار سلبيّاً وعدائياً.

 

*  *  *

 

     ماذا يمكن أن يتعلم الغرب العلماني (البعيد عن المسيحية الحقيقية) من الإسلام والشرق المحافظ!!

     إن الأوروبي المسلم (المطلوب منه القيام بهذه الرسالة) ضائع بين العزلة الاجتماعية والذوبان الثقافي، وكذلك بين الإيمان بدينه وتبني الديمقراطية وحقوق الإنسان.

     وإن المسلمين الذين نجحوا في الجمع بين الانثقاف دون الذوبان، وحافظوا على دينهم دون إلغاء الآخر.. يعلّمون الغرب القوة مع الرحمة، ويجددون مفهوم العائلة والأولاد، وينشطون الضمير الداخلي ومخافة الله والاستسلام لـه ببساطة وثقة، ويقدّرون التمتع بالمادة دون تأليهها.

     إن اكتشاف هوية المجتمع والإنسان يحتاج إلى الوسط المتنوع أكثر من الوسط المتجانس المتماثل..

     وهكذا فالرجولة الشرقية في تحررها من الخوف، وفي بث القوة والثبات.. تتقابل بشكل جميل وخلاق مع الأنوثة الغربية في إبداعها وتحررها من القيود وتمتعها بالحياة.

     لا يعني التسامحُ الديني التهاونَ والتوفيقيةَ.. وهذه هي صعوبة الكتاب لأنني حاولت جهدي أنالا أنزلق في التوفيقية بينما أعرض جمال الآخر المختلف، كما أن العقائد الخاصة بكل دين والتراث المهم لكل طرف يجب أن لا يستهان بها كي نصل إلى أرض مشتركة، لأننا بذلك نفقد فكرة الحوار ونخسر التعددية البنّاءة.. ويُضحّى بالخصوصية الفردية من أجل تجانس المجموع في بوتقة واحدة تصهر الذاتية العميقة للشخص والمعتقد.

     إن المسجد يمكن أن يكون نقطة اتصال بين المسلم والمجتمع، ومركزاً للتعلم والتثقيف والانفتاح والامتلاء ثم منطلقاً لحضارة جديدة تعلّم الغرب الكثير مما يفتقده... وإن المسجد يمكن أن يكون ساحة لقاء بين المتعطشين للحقيقة ومحبة الآخر، ويمكن أن يكون أندلساً أخرى - بتعبير جاك بيرك - لانفتاح الحضارات والثقافات على بعضها.

     في الوقت نفسه يمكن أن يكون المسجد بؤرة للتجمع الانهزامي وتكفير الآخر والتشبث بموت الحرف. والاختيار يجب أن يتم الآن وبشكل واضح وأكيد..

     إن الانثقاف "أي الدخول في ثقافة الآخر المختلف" لا تعني بالنسبة للمسلمين التنكر لدينهم بل التكيف مع معطيات الحضارة المغايرة دون الذوبان ودون المواجهة العنيفة.. وإن بناء التعددية والحضارة المتنوعة مطلب إنساني قبل أن يكون دينياً أو اجتماعياً.

وهكذا..

"بلد ذو دين واحد يعرف القمع

بلد ذو دينين يعرف الحرب الأهلية

بلد ذو مئة دين يعرف السلام"

التعددية نعمة..

 

*  *  *

 

     بسبب الانفلات الأخلاقي الحالي سيكون هناك إقبال على الإسلام في العقود المقبلة بوصفه ديناً محافظاً، وكذلك سيولّد انهيارُ الحلول السابقة المرتبطة بشكل أو بآخر بالمسيحية ردة فعل واندفاعاً نحو الطرف المقابل ونشاطاً وبعثاً إسلاميين عالميين..

هل هذا يقلق المسيحيين؟!

     ليس بالضرورة، لأن التاريخ الذي يرسمه الدينان لـه نهاية وهما متسابقان بطريقة أو بأخرى للوصول إلى تلك النهاية.

الكاردينال لافيجري والآباء البيض:

     يقول لافيجري بصدد حديثه عن لقائه القائد الأمير عبد القادر الجزائري: "سأحتفظ بذكرى وجه الأمير الهادئ. إن كلماته التي تنطق بالوقار والحزم وروح العدالة والصمود، من خلال كل خطبه، تجسّد الصورة التي ارتسمت في ذهني عنه مقدماً.. لقد عبّرت لـه عن الإعجاب الذي تكنّه فرنسا لسلوكه النبيل، وتقديرها لـه كرجل حريص على ممارسة العدالة".

     ومن المعروف أن رجل الدين المسيحي (لافيجري) كان يفكر بتبشير القارة الأفريقية كلها بما فيها الدول الإسلامية وقد أسس لذلك جماعة تبشيرية لتحويل المسلمين إلى المسيحية، وفي الوقت نفسه كان الأمير عبد القادر الجزائري رجلاً مسلماً يحب وطنه ودينه ويرفض توسع الآخر وسيطرته.. وللأسف لم ينظرا في اتجاه واحد ولحسن الحظ لم يذبِ الواحد في الآخر بل تواجها.. وفي لحظة المواجهة قرأ الواحد في الآخر روحه الإنسانية بعينين جديدتين.

 

*  *  *

 

     هذا الكتاب ليس كتاباً في النقد أو المقارنة أو الكشف عن الإيجابيات والسلبيات في المسيحية والإسلام فهذه نظرة ساذجة لأمور عميقة، بل إنه تبني النظرة الإيجابية بشكل واعٍ وحضاريّ، وتسليط الضوء على جمالات الآخر المختلف، وتوسيع الآفاق الممتدة للتعاون معاً نحو حضارة الحب والشركة.

     إنه ببساطة كتاب لتغيير العيون المسيحية القديمة إلى جديدة مليئة بالحب والإعجاب بالآخر المختلف، وباحثة عن عيون جديدة من الطرف الآخر من أجل أرض أكثر إنسانية.

     وهو كتاب للمثقف العربي العاديّ الذي ينمو في جميع نواحي ثقافته إلى مستويات عالية وتقف ثقافته الدينية (عن دينه ودين الآخر) عند حدود القصص الشعبية وحكايات الأجداد وأساطير العامة.

     في الباب الأول من الكتاب عرضت المفاهيم الأساسية وأعتقد أن هذا مهم لأبناء الديانتين الإسلامية والمسيحية، لأننا ببساطة لا نعرف عن بعضنا حتى المفاهيم الأساسية، ثم عرضت في الباب الثاني ملخصاً عن ثلاثة أسفار من الكتاب المقدس ترى فيها الأصولية المسيحية تفسيراً وسبباً ودعماً للبعد السياسي لها.

     بعدها انتقلت في الباب الثالث إلى رؤية المسيحية للآخر منذ البداية بلمحة سريعة تعطي فكرة واضحة على وجوب انفتاح المسيحيين على الآخرين وتقديرهم لهم. وفي الفصلين الرابع والخامس ذكرت المواقف المسيحية الإيجابية من المسلمين قديماً وحديثاً خاصة في الكنيسة التقليدية وفي الممثلين الرسميين للمسيحية.

     وأفردت البابين السادس والسابع لنظرة المفكرين والمستشرقين الإيجابية في القرون الماضية. وتطرقت في الباب الثامن إلى موضوع الأصولية وهو مهم جداً في وقتنا الحاضر لكنه شائك وموضع اختلاف.

     درست بسرعة وبساطة في الباب التاسع موضوع التصوف الإسلامي لاهتمام الباحثين والمفكرين المسيحيين به بشكل كثيف وعميق وكذلك لقربه من روح المسيحية، وفي الباب العاشر ذكرت بعض الأحاديث والمقولات عن فكرة الشفاعة في الإسلام والتي تشابه إلى حد كبير مفهوم شركة القديسين التي تؤمن بخلاص الجميع نتيجة رحمة الله ومحبة الآخرين..

     وعرضت في الباب الأخير خمسة فصول عن هموم مشتركة كالإلحاد والنمو الديمقراطي مع صعوبة الحضور الإنساني، وصدام الحضارات أو حوارها، وموقف الغرب من الإسلام بعد هجمات الحادي عشر من أيلول.

     أرجو أن يكون هذا الكتاب فاتحة لعهد جديد من العلاقات الإسلامية - المسيحية الطيبة وخاتمة للصدام الإنساني على أرض تسعى لأن تكون أكثر إنسانية.

 

والله وليّ التوفيق

 

 

 

الرئيسية | سيرة ذاتية | منبر | روايات | قصائد | دراسات | أنثولوجيا | نصوص | ضيف عزيز | مواقع أخرى | دفتر الزوار | تواصل

© 2003 - 2005 Lotfi Hadad. All rights reserved. Designed and maintained by OfouqDesignGroup