عدنان الصائغ

عدنان الصائغ

قبل 27 عاماً، وكان عمري 21 عاماً، واقفٌ في ساحة "العرضات" أتفرّس في وجه العقيد، آمر تجنيد الكوفة، الذي منحني الرقم 495545 ج م (جندي مكلف)، ببدلة خاكية، وبسطال ثقيل كالح، لأجد نفسي بعد سنوات، مرمياً على جبل ديركله، وبعد سنوات أكثر حلكة على سواتر الفاو، وبعد سنوات مرّة منكمشاً في موضع ترقّّصه القذائف على ايقاعاتها المجنونة ذات اليمين وذات الخبب، وبعد سنوات مترملة ملتصقاً إلى شاشة التلفريون، في الجنوب السويدي، أتتبع مسار القاذفات، وفي ذاكرتي تتراكض كل تلك السنوات النائحة:

(ويحك يا ننار، لقد هوت مقدسات أور، وذبح البرابرة شعبك. لقد تشرد القوم، وأصبحت أور خراباً" - من "مرثية أور" 2000 ق.م -)

أجمع تلك السنوات الثلاثة عشرة التي قضيتها تحت صفيح الثكنات والخنادق، وتلك السنوات العشر من شتات المنافي والتشرد وأطرحها مما تبقى لي من أيام، فلا أرى أمامي في المرآة سوى: "شيخ يتأبّطُ عكّازَ قصائدهِ.. متجهاً نحو البحرِ/ يتمرآى في صفحتِهِ الزرقاءْ/ فيرى في أعماقِ الموجِ/ ولداً في العشرين/ يتطلّعُ مبهوراً/ في وجهِ المرآة…/ لا يدري الآنْ/ أيّهما كانْ..!؟"(1)

كأن قدري أن أعيش ثلاثة حروب، دفعة واحدة، لتلاحقني الرابعة إلى منفاي البعيد..

أرفع رأسي إلى السقف متسائلا لأرى قطرتين تنهمران على خدي المتجعد كأنهما دمعتين من السماء.. (إن هذه الأرض، وتلك السماء، مزقتا قلبي بضيقهما. فلا تفضح أمرنا أيها السراج - جلال الدين الرومي)

أحاول الآن أن أوقف الذاكرة على مشهد أو قصيدة، فتتداخل الصور والأحداث، الدم والمطر، النساء والشظايا، النصوص والأصدقاء، الشعر والإسطبل، الصحافة والمنفى.

فلا أدري من أين أبدأ؟

كأن قدري أن أعيش حياتي المتعثرة سلسلة مفارقات. وما الشعر إلاّ مفارقتها الأبهى والأصعب.. ذلك أنه هو الحياة في أقصى دهشتها وفنيتها ومفارقاتها، وهو لا يتمكن من ذلك إلا إذا استحال إلى نبض حيٍّ للإنسان, يعبر عن توقه وهواجسه وعذاباته وأحلامه السرية، متصاعداً بها إلى مصافِ الحس الإنساني - الإبداعي.. فالشاعر  - كما أراه – جوّابَ الآفاق ومدونَ الألم ومستشرفَ الأمل وملتقطَ المفارقات، في مروره العابر والمجلجل على رصيف الحياة..

ففي تلك المعاناة والتجارب الحية، وفي مفارقات (الواقع) يكمن جوهر (الشعر) وسحره الحقيقي وتحديه ولذته وعذابه، وكل هذا يحتاج إلى مهارة غير عادية لصهره وتمثله في اللغة، حيث يصبح للتماهي بين الواقعي والغرائبي هذا السحر الأخّاذ  الذي يشدّك إلى الاستكشاف والمعرفة والتغيير، وهنا تتجلى قوة الشعر وبهاؤه.. ولا يتأتى هذا من القراءة فقط، رغم أهميتها الكبيرة، بل بالانغمار والانغماس في الحياة وتجربتها الباهرة.. كأن من يتعذب كثيراً يتعلم كثيراً كما يذهب ايزوب، أو كأن ما يعذب حياتك يُعذب كذلك أسلوبك في الكتابة كما يرى فلوبير أيضاً..

.........

............

أتوقف قليلاً عند بعض محطات سيرتي، فأراني:

طالباً تحمله جموع الطلبة إلى باب متوسطة الكوفة، احتفالاً بفوزه بالجائزة الأولى في مسابقة الشعر لثانويات كربلاء والنجف والكوفة.. لكنهم بعد أن يخرجوا من الباب سيتركونه لوحده وينسلون إلى بيوتهم..

طالباً مفصولاً من المعهد بسبب قصيدة تحتج على إدارة النادي رأوا فيها شبه تحريض على الدولة..

جندياً يتنقل بين المعسكرات والسواتر البعيدة. ويعيش لعامين في اسطبل مهجور للحيوانات..

جندياً يعمل محرراً صحفياً في جريدة القادسية ومجلة حراس الوطن والطليعة الأدبية..

شاعراً تلاحقه جريدتا "بابل" و"الزوراء" وتضعه على قائمة المرتدين..

شاعراً تلاحقه بعض النصال والاشاعات والشتائم..

شاعراً يتسكع في أصقاع السويد، متأبطاً منفاه ونشيده الملتاع وسخريته المرّة..

........

................

سأترك كل هذا الآن، وأحدثكم عن أغرب ما مرّ بي، سأحدثكم عن تلك المفارقة التي قلبت حياتي رأساً على عقب، سأحدثكم  عن ذلك البغل المرقم..... (اللعنة!! ما أجحدني! وقد نسيت رقمه في زحمة تنقلاتي!).... أنه صديقي العظيم والطيب والباسل حقاً..

لا تستغربوا أو تضحكوا، أرجوكم.. فلولاه لم أكن موجوداً بينكم الآن..

ذات يوم من نهارات الحرب الهادئة نسبياً، ألقى فوجنا الثالث أحماله، قريبا من سفوح جبل "ديركله"، شمال العراق.. أغراني السفح المتماوج بينابيعه ونرجسه أن أحمل أوراقي تحت وطءِ قصيدة بدأت تدغدغ روحي المتربة بعد شهور من اليباس والشظايا. وجدتُ أقدامي تتحرك باتجاه السفح وتتوغلان بي بعيداً. وعلى مبعدة أمتار من أحراش عالية تحيط بنبع مترقرق سمعتُ أصوات الجنود والعريف تحذرني وتدعوني أن أعود فالأرض ما زالت بكراً بألغامها التي لم يجرِ مسحها أو انتزاعها بعد.. واصلت السير، غير ملتفتٍ لشيء سوى تموجات الماء بين الحصى والعشب..

بعد دقائق سمعتُ ورائي أصوات ركضٍ قوية، التفتُ لأجد ذلك البغل المسكين، فاراً مثلي من اسطبله باتجاه النبع.. تجاوزني ثم تخطاني بأقدامه المتراكضة.. وما هي إلا لحظات حتى سمعتُ دوياً مرعباً، وأراه فجأة وقد تحول أمامي إلى نافورة من دم ولحم وغبار، تصاعدت إلى علوٍ.. ووجدتني أسقط من هول الرعب والانفجار متدحرجاً مع الصخور، وبعضاً من النثار يغطي أحجار السفح وملابسي، وعلى مبعدة من المكان انفتحت أشداق الجنود وعيونهم برعب في انتظار انجلاء سحب الغبار ليعلموا من بنا الذي أنفجر به اللغم..

أنا؟ أم البغل؟

(إن تكون شاعراً في عالم كهذا، يعني أن تحاكي شكله المتفجر في الحروب - شيماس هيني)..

هذه المفارقة المهولة وغيرها، ما زالت – للآن - تخلخل حواسي وكياني كله، وتفرش نصوصي بأمطارها الحامضة.. وتذكرني أن حياتنا هي مجرد صدفة في صدفة، أو بعض مفارقة، أو هي "ظل يمشي" - كما وصفها شكسبير -..

  • ولد الشاعر عدنان الصائغ في مدينة الكوفة في العراق عام 1955. عمل في الصحف والمجلات العراقية والعربية.  غادر العراق صيف 1993 شارك في العديد من المهرجانات الشعرية. عضو اتحاد الأدباء العراقيين والعرب. عضو اتحاد الأدباء والكتاب السويديين. عضو نادي القلم الدولي في السويد.

  • صدرت له المجموعات الشعرية: (انتظريني تحت نصب الحرية - بغداد 1984/ أغنيات على جسر الكوفة - بغداد 1986/ العصافير لا تحب الرصاص - بغداد 1986/ سماء في خوذة – ط1 بغداد 1988 ط2 القاهرة 1991 ط3 القاهرة 1996/ مرايا لشعرها الطويل - ط1 بغداد 1992 ط2 عمان 2002/ غيمة الصمغ- ط1 بغداد 1993 ط2 دمشق 1994/ تحت سماء غريبة – ط1 لندن 1994 ط2 بيروت 2002/ تكوينات – بيروت 1996/ نشيد أوروك "قصيدة طويلة" – بيروت 1996/ تأبط منفى - السويد 2001).

  • صدرت له مختارات شعرية: "خرجتٌ من الحرب سهواً" القاهرة 1994/ "صراخ بحجم وطن" السويد 1998. و"الأعمال الشعرية" - بيروت 2004.

  • تُرجمت مختارات من أشعاره إلى لغات عديدة: السويدية والإنجليزية والفرنسية والهولندية والأسبانية والبولونية والإيرانية والكردية والالمانية والرومانية والنرويجية والدنماركية. وصدرت بعضها في كتب باللغة السويدية (ت: ستافان ويسلاندر Staffan Wieslander وبوديل جريك Bodil Greek – مالمو 2000) والهولندية (ت: ياكو شونهوفن Jaco Schoonhoven – روتردام 1997) والاسبانية (ت: دار الواح مدريد – 1997).

  • حصل على جائزة هيلمان هاميت العالمية HELLMAN HAMMETT للإبداع وحرية التعبير- عام 1996 في نيويورك.

  • وعلى جائزة مهرجان الشعر العالميPOETRY INTERNATIONAL AWARD عام 1997 في روتردام. يقيم حالياً في السويد.

  • www.adnan.just.nu

  • E-Mail: adnan2000iraq@hotmail.com

 

نصوص من أعماله :

 

         * ثلاثة مقاطع للحيرة

         * مختارات

         * غربة (2)        

 

 

 

 

الرئيسية | سيرة ذاتية | منبر | روايات | قصائد | دراسات | أنثولوجيا | نصوص | ضيف عزيز | مواقع أخرى | دفتر الزوار | تواصل

© 2003 - 2005 Lotfi Hadad. All rights reserved. Designed and maintained by OfouqDesignGroup