|
وهم
عالمية الثقافة الغربية
يخطئ من يظن أن الثقافة الغربية عالمية، رغم سعة
انتشارها. فالثقافة الغربية محدودة بطابعها. والثقافة
الغربية بجوانب كثيرة منها مقصورة على الأوروبيين البيض
والبيض المتحدرين من أصل أوروبي.
إن
الاستبعاد المنتظم لجميع الأجناس والقوميات والثقافات
غير الأوروبية عن المشاركة في الثقافة الأوروبية على قدم
المساواة كان ولا يزال السمة المسيطرة التي تسم الثقافة
الغربية في كل تاريخها. في هذه الثقافة يمارس التمييز
العنصري الذي يجعل من المستحيل عمليًا أن يشارك الشخص
غير الأبيض على قدم المساواة مع الرجال البيض. فالرجل
غير الأوروبي الأصل أو التحدر قد يتبنى اسمًا إنكليزيًا،
وقد يتبع طريقة الحياة الغربية، وقد ينال أعلى الدرجات
الجامعية بتفوق، وقد يبرع في مهنة من المهن. ولكن وعلى
الرغم من ذلك لا يمكنه أن يكون أبدًا شخصًا مساويًا
اجتماعيًا للرجل الأوروبي الأصل، ومهما كانت منجزات
الرجل غير الأوروبي في مجالات الأعمال التجارية
والاقتصاد والعلم فإنه، من منظور الثقافة الأوروبية
الأصل، أدنى من الرجل الأوروبي الأصل.
ذلك هو أحد الأسباب الرئيسية لفقر الأقليات العرقية في
البلدان الغربية ولتخلفها في بعض المجالات بالمقارنة
بالأغلبية من البيض وللفقر والتخلف الاجتماعي والاقتصادي
والسياسي في بلدان العالم الثالث. ولو كانت الثقافة
الغربية عالمية حقًا لبلغ الذين من أصل غير أوروبي مستوى
ثقافيًا واقتصاديًا وعلميًا أعلى أو لكان من الأسهل
عليهم أن يبلغوا ذلك المستوى، ولشاركوا في الحياة الفنية
والعلمية والسياسية والاجتماعية في البلدان التي يشكل
البيض فيها الأغلبية مشاركة على قدم المساواة، أو لردمت
أو، على ألأقل، ضاقت الفجوة والحاجز النفسي القائمان بين
الذين من أصل أوروبي ومن أصل غير أوروبي، ناهيكم عن
الفجوة الاقتصادية والثقافية والمالية والاجتماعية بين
المجموعتين.
لو كانت الثقافة الغربية عالمية حقًا لأدى إضفاء الطابع
الغربي على الثقافات غير الغربية إلى المساواة الحقيقية
بين جميع الشعوب المتبنية للثقافة الغربية وإلى إتاحة
فرص التقدم المتساوية لجميع تلك الشعوب. ولكن بسبب عدم
عالمية تلك الحضارة لا تتحقق هذه المساواة ولا تتاح تلك
الفرص حتى في حالة إضفاء طابع الثقافة الغربية على شعوب
غير غربية. ولو كانت الثقافة الغربية عالمية حقاً لأسهم
إضفاء طابع الثقافة الغربية على الشعوب غير الغربية في
النهضة الثقافية الكبرى إسهامًا عظيمًا، ولزاد رفد
الشعوب غير الغربية للحضارة الإنسانية العالمية بروافد
الثقافة والعلوم والفنون، ولتعززت إمكانية مساهمة كل
الشعوب في تشييد الصرح الحضاري العالمي، ولتعزز، بسبب
الملامح الإنسانية الأقوى التي تسم الثقافة غير الغربية،
البعد الإنساني في الحضارة العالمية.
ولكن الحقيقة هي أن الحضارة الغربية ليست عالمية. وثمة
أسباب لعدم العالمية هذا. ومن هذه الأسباب
تركيز
الأوروبي والأشخاص المتحدرين من الشعوب الأوروبية حول
العرق وشعورهم بأنهم أفضل عرقًا من سواهم وشعورهم خطأ
بأن سواهم لا يستطيع أن يحرز التقدم الذي أحرزوه في مجال
العلوم والتكنولوجيا.
وفضلاً عن عدم عالمية الثقافة الغربية نشهد منذ الحرب
العالمية الثانية، وربما قبل تلك الحرب، الاستعمار
الثقافي في بقاع كثيرة من العالم الثالث. إن الاستعمار،
على الرغم من أنه غير مباشر، حقيقة واقعة اليوم كما كان
في الماضي. ينشب الاستعمار الثقافي أنيابه بطرق مختلفة
من قبيل فرض لغة البلد القائم بالاستعمار ونظم التعليم
ووسائط الاتصال الجماهيري الحديثة في الأراضي غير
الغربية. وفي حالة الالتقاء بين الأوروبيين وغير
الأوروبيين يتعرض الأخيرون أحيانًا للهزء المكشوف أو
الخفي، أو المباشر أو غير المباشر، أو الصريح أو الضمني.
والكتب والمجلات تحفل بعبارات تمجد الأوروبي على منجزاته
العلمية والتكنولوجية والفلسفية وعلى انتمائه العرقي
وتحفل بالإشارات إلى عدم مشاركة الأشخاص غير الأوروبيين
في الحضارة العالمية وإلى القوى الفكرية والمعنوية
الأوروبية وإلى العيوب الفكرية والخلقية التي يقال إنها
كامنة في شعوب العالم الثالث.
وفي الحقيقة إن القدرات والعيوب الفكرية والخلقية ليست
مقصورة على شعوب بلدان معينة أو قارة معينة. إن الخلفية
التاريخية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية لهي العامل
الأقوى في تحديد مدى الإنجاز العلمي والتكنولوجي والفني
لأي شعب من الشعوب.
وقد يشيع الاستعمار أو الغزو الثقافي في صفوف الشعوب
الشعور بالتدني وقد يضعف المعنويات ويشيع الوهن في
النفس. وفي الواقع أن قسمًا لا يستهان به من أبناء
العالم الثالث يعتقدون خطأ بأن الشخص الأوروبي أرفع
خلقًا وأقوى فكرًا وبأنهم أدنى منه في هذا المجال. ولذلك
الاعتقاد الخاطئ دوره القوي في إيجاد الجدب الفكري وفي
انحسار القوى الفكرية والمعنوية والنفسية وفي نشوء
الصفات التي تشل الابتكار والإبداع وفي تعزيز الدوافع
نحو اتخاذ دور المقلدين والمحاكين. وذلك الاعتقاد هو أحد
العوامل التي تضعف الحافز نحو الإبداع ونحو المحافظة على
الأصالة والتي تضعف روح المبادرة وتشجع على محاولة
محاكاة وتقليد الأوروبي.
وفي الحالة غير الطبيعية وغير المستقرة، حالة ضعف
الانتماء إلى القيم الثقافية الأصلية وضعف الانتماء في
نفس الوقت إلى القيم الثقافية الغربية، يفقد المرء عالمه
الثقافي الأصلي أو قدرًا كبيرًا منه، ولا يكتسب العالم
الثقافي الغربي، ويكون المرء قد فقد قدرًا كبيرًا من
عالمه الثقافي الأصلي دون أن يستطيع أن ينتمي إلى العالم
الثقافي الغربي، لأسباب منها أن الثقافة الغربية لا
تقبله عضوًا على قدم المساواة مع الشخص الأوروبي الأصل.
المرء في هذه الحالة يكون في حالة فقدان قدر كبير من
الانتماء ومن الهوية.
وبهذه النظرة الفكرية النفسية المسيطرة تتخذ الأشياء
الغربية دلالاتها الإيجابية الناصعة وتتخذ الأشياء
المقترنة بالعالم الثالث دلالاتها السلبية القاتمة. لدى
اعتمار القبعة تنشأ لدى البعض خواطر تحمل إشارات الجوانب
الإيجابية لاعتمار القبعة. وعند وضع الحطة والعقال على
الرأس مثلاً تنشأ لدى البعض خواطر تحمل إشارات التخلف
والشيء البائد وغير الحديث. وإذا شربت كأس عصير البرتقال
في وجبة الصباح ـ وهي عادة يتبعها عدد من الأمريكيين ـ
فتلك عادة يعتبرها البعض طيبة، ويحاول المحاولون أن
يجدوا الأسباب الصحية والغذائية التي تقنع بطيب هذه
العادة. وإذا سمعت أن الأمريكيين يكثرون من أكل لحم
البقر قال قائلون
إنهم
عقلاء فالجسم يحتاج إلى البروتين. وإذا قدم المسلمون
أضحية عيد الأضحى قال قائلون
إن
ذلك من قبيل الإفراط في الاستهلاك في يوم واحد. وإذا مدح
غربيون عادة من العادات يتبعها العرب تشجع عرب على
مواصلة ممارستها. الفكرة التي أريد أن أنقلها هي أن
سلوكنا يتسم إلى حد معين بالمحاكاة، العمياء أحيانًا.
وتجد الاستعمار أو الغزو الثقافي متجسدًا في أشياء كثيرة
من حياتنا: اللعبة المفضلة الشائعة التي تقدم لطفلاتنا
ليتلهين بها هي البنت الشقراء ذات الشعر الذهبي والعينين
الخضراوين أو الزرقاوين، على الرغم من أن نسبة كبيرة من
أبناء آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية ليست بهذه الصفة.
وساقا هذه اللعبة طويلتان عاريتان رغم أن تعري المرأة
سلوك مستقبح من قبل مجتمعات نامية كثيرة. وجسم اللعبة
نحيل جدًا رغم أن كثيرًا من رجالنا ونسائنا ليسوا نحيلين
إلى هذا الحد.
ويتجلى هذا الاستعمار الثقافي أيضًا في أن عددًا كبيرًا
من الحصص الدراسية في المدارس الابتدائية والثانوية وفي
الكليات والجامعات يخصص لدراسة تاريخ أوروبا والغرب
عمومًا ولغاته وثقافاته، وفي أنه في هذه الحصص يشار إلى
مفاهيم من قبيل العلم والديمقراطية والحرية والإنسانية
والكرامة باعتبارها مفاهيم نشأت في الغرب. ويهمل
العرض حقيقة أن بلدانا كثيرة من العالم الثالث وخصوصًا
البلدان الإسلامية كانت موطن نشوء هذه المفاهيم.
ويشعر أناس منا بالارتياح وبالرضى النفسي وبأنه قدم
الدليل على سعة ثقافته عندما يذكر في كلامه روسو
ومنتسكيو وفولتير وهوغو وهيغل وكانت، ولا يتملكه هذا
الشعور إذا أشار إلى أسماء ساطعة في تراثنا الفكري
والسياسي والعلمي والفلسفي من قبيل علي بن أبي طالب (كرم
الله وجهه) والكندي والفارابي وابن سينا وابن خلدون
والمتنبي والمعري. ويشعر البعض منا بالزهو إذا تزوج
بامرأة غربية، وكأنها مثال الكمال في مختلف مناحي الحياة
ويحشد قواه النفسية ليكون لديه استعداد أكبر للتغاضي عن
عيوبها بينما يكون أقل استعدادًا للتغاضي عن عيوب زوجته
العربية.
ويخبرني من يخبرني من العرب والأمريكيين إن أبراهام
لنكلن كان رجلاً عظيمًا لأنه حرر العبيد. وعند التفكير
في تحرير العبيد ينصرف فكر بعض العرب إلى لنكلن. غير أن
الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) حمل وأشاع رسالة
تحرير العبيد وآمن بها وتصرف بوحيها قبل ما ينيف عن
أربعة عشر قرنًا.
تيسير الناشف |